ابن قيم الجوزية
98
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والمعرفة . إذ نسبته إلى العلم كنسبة المرئي إليه : كان الفناء في هذه المرتبة فناء عيانه في معاينه . ومحو أثره واضمحلال رسمه . قوله « وفناء الطلب في الموجود وهو الفناء حقا » . يريد : أنه لا يبقى لصاحب هذا العيان طلب . لأنه قد ظفر بموجوده ومطلوبه . وطلب الموجود محال . لأنه إنما يطلب المفقود عن العيان لا الموجود ، فإذا استقرت في عيانه وشهوده فني الطلب حقا . قوله : « الدرجة الثانية : فناء شهود الطلب لإسقاطه ، وفناء شهود المعرفة لإسقاطها . وفناء شهود العيان لإسقاطه » . يريد أن الطلب يسقط . فيشهد العبد عدمه . فهاهنا أمور ثلاثة مترتبة أحدها : فناء الطلب وسقوطه ، ثم شهود سقوطه ، ثم سقوط شهوده . فهذا هو فناء شهود الطلب لإسقاطه . وأما فناء شهود المعرفة لإسقاطها ، فيريد به : أن المعرفة تسقطه في شهود العيان . إذ هو فوقها . وهي تفنى فيه . فيشهد سقوطها في العيان . ثم يسقط شهود سقوطها . وصاحب المنازل يرى أن المعرفة قد يصحبها شيء من حجاب العلم ، ولا يرتفع ذلك الحجاب إلا بالعيان . فحينئذ تفنى في حقه المعارف . فيشهد فناءها وسقوطها . ولكن عليه بعد بقية ، لا تزول عنه حتى يسقط شهود فنائها وسقوطها منه . فالعارف يخالطه بقية من العلم لا تزول إلا بالمعاينة . والمعاين قد يخالطه بقية من المعرفة لا تزول إلا بشهود سقوطها . ثم سقوط شهود هذا السقوط . وأما « فناء شهود العيان لإسقاطه » فيعني أن العيان أيضا يسقط فيشهد العبد ساقطا . فلا يبقى إلا المعاين وحده . قال الاتحادي « هذا دليل على أن الشيخ يرى مذهب أهل الوحدة . لأن العيان إنما يسقط في مبادئ حضرة الجمع . لأنه يقتضي ثلاثة أمور : معاين ، ومعاين ، ومعاينة . وحضرة الجمع تنفي التعداد » . وهذا كذب على شيخ الإسلام . وإنما مراده : فناء شهود العيان . فيفنى عن مشاهدة المعاينة . ويغيب بمعاينه عن معاينته . لأن مراده : انتفاء التعدد والتغاير بين المعاين والمعاين . وإنما مراده : انتفاء الحاجب عن درجة الشهود ، لا عن حقيقة الوجود . ولكنه باب لإلحاد هؤلاء الملاحدة . منه يدخلون . وفرق بين إسقاط الشيء عن درجة الوجود العلمي الشهودي ، وإسقاطه عن رتبة الوجود الخارجي العيني . فشيخ الإسلام - بل مشايخ القوم المتكلمين بلسان الفناء - هذا مرادهم . وأما أهل الوحدة ، فمرادهم : أن حضرة الجمع والوحدة تنفي التعدد والتقييد في الشهود والوجود ، بحيث يبقى المعروف والمعرفة والعارف من عين واحدة ، لا بل ذلك هو نفس العين الواحدة . وإنما العلم والعقل والمعرفة حجب ، بعضها أغلظ من بعض . ولا يصير السالك عندهم محققا حتى يخرق حجاب العلم والمعرفة والعقل . فحينئذ يفضي إلى ما وراء الحجاب من شهود الوحدة المطلقة التي لا تتقيد بقيد ، ولا تختص بوصف .